Eric Geoffroy

بعد تحولات عديدة بين أديان عدة مثل المسيحية والبوذية

جوفروا: الإسلام منحني الوعي الحقيقي والبعض أعاق وصولي لمناصب وظيفية بسبب ديانتي

باريس: فابيولا بدوي

تردد كثيرا، سلك العديد من الدروب، ولد مسيحيا كاثوليكيا، لكنه قرر سلوك الطريق الأصعب، ألا وهو الاختيار، حتى أعلن إسلامه منذ 22عاما، وكان عضوا في المجلس الإسلامي للديانة الإسلامية. إنه أستاذ الفلسفة الإسلامية في جامعة ستراسبورج الفرنسية إيريك جوفروا الذي حاورته "الوطن" حول رحلته الإيمانية، وآرائه فيما يحدث في المجتمع الفرنسي تجاه الجاليات العربية والإسلامية، ورؤيته تجاه الاندماج الإسلامي في فرنسا، وغيرها من الموضوعات. * كيف اهتديت إلى الإسلام وماذا عن المسافات الروحية التي قطعتها حتى اعتنقت الإسلام بشكل رسمي؟ ـ اعتنقت الإسلام بعد فترة بحث روحي طويلة. لقد ترددت على الكثير من الأديرة المسيحية والمعابد البوذية في فرنسا، كما مررت بتجربة الاقتراب من نوع من العبادة البوذية. لكني وجدت في الإسلام الطريق الوسط بين الشرق والغرب، بمعنى أدق الطريق الأكثر رحابة وكونية, هذا بالإضافة إلى أشياء أخرى لعبت دورا كبيرا وهاما في تحديد خياراتي، منها رحلاتي الكثيرة في العديد من البلدان الإسلامية، ولقاءاتي المتعددة ببعض الأشخاص المميزين مثل (إيفا دو فيتراي مييروفيتش) التي قامت بترجمة جلال الدين الرومي إلى الفرنسية، هذا بجانب قراءات خاصة لمفكرين لهم أهميتهم مثل (رونيه جينو), لقد نشأت داخل الدين المسيحي الكاثوليكي في مرحلة كانت العلمانية هي صاحبة السيادة على واقع المجتمع الفرنسي, المسيحيون الذين كنت أخالطهم وقتها لم يملكوا يوما أي إجابات شافية تجاه حيرتي, لقد مر علي وقت طويل قبل أن أتمكن من النطق بكلمة الله من جديد بشكل عميق وواضح, لقد اعتنقت الإسلام في عام 1984، وكان عمري حينئذ 27 عاما. في البداية اعتقد والداي أن الأمر كله لا يعدو أن يكون صيحة من صيحاتي، لكن الأمر في تلك المرة كان مختلفا تماما, والدتي سرعان ما اطمأنت إلى قناعاتي، خصوصا حينما شرحت لها المكانة الكبيرة التي يحظى بها السيد المسيح والسيدة مريم العذراء في الدين الإسلامي، أيضا حينما تلوت عليها الحديث الشريف (الجنة تحت أقدام الأمهات). * بعد هذه الرحلة التي انتهت بخيارات واضحة, ماذا أضاف اعتناقك الإسلام إلى عالمك الشخصي؟ ـ دون أي مبالغة، الإسلام حمل إلي التوازن والاستقرار النفسيين اللذين كانا ينقصانني في السابق, أما من الناحية المهنية فأنا أستاذ متخصص في الدراسات الإسلامية. وبشكل شخصي جدا كنت دائما ضد فكرة الزواج بشكل قاطع، لكني الآن متزوج من فرنسية تنتمي إلى الجيل الثالث لأسرة فرنسية عريقة اعتنقت كلها الإسلام. * هل صادفك الكثير من الصعوبات بسبب اعتناقك الإسلام؟ ـ في البداية، لم تصادفني أية صعوبات تذكر، فقد كنت مازلت حرا في حياتي إلى حد كبير. المصاعب بدأت فيما بعد خصوصا حينما التحقت بالجامعة كأستاذ فيها، وكوني معروفا كمثقف مسلم أثر في عملي بالسلب، وسبب لي بعض المشاكل التي أعاقت وصولي إلى بعض المناصب الوظيفية, ولكن في المقابل كوني مسلما قد فتح أمامي أبوابا أخرى في الحياة. * هل أتاح لك اعتناق الإسلام تواصلا مع أبناء الجالية المسلمة في فرنسا, أم إن هناك معوقات حالت دون ذلك؟ ـ في البلدان العربية لم يكن الأمر سهلا على الإطلاق، خصوصا في مجال العمل، لعدم وجود جدية في مثل هذه العلاقات, أما في فرنسا فلدي علاقات كثيرة مع عدد كبير من مسلمي البلد ومن المهاجرين، كذلك لدي قرائي وطلابي وهؤلاء جميعا غالبيتهم من أصول مغاربية. ولكن كل هذا لا ينفي وجود صعوبات كبيرة في بعض الأحيان، على سبيل المثال، حينما كنت عضوا في المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية في بداياته، كانت الرهانات على السلطة بين أعضائه كبيرة جدا, وبعض الأشخاص ممن لهم ارتباطات مصالح مع بلدانهم الأم تصوروا أن لدي مثل تطلعاتهم على هذه السلطة،على الرغم من أني داخل المجلس لم أكن أعدو أن أكون سوى ممثل للفرنسيين الذين اعتنقوا الإسلام. * كثيرا ما تعقد في الآونة الأخيرة، المؤتمرات حول المجالات التي تجمع بين العلم والدين, برأيك هل توجد مثل هذه المجالات أم إن هناك استحالة في وجود علاقة منطقية بينهما؟ ـ في رأيي، لا يوجد أي تعارض في الإسلام بين الدين والعلم، بل إن الاثنين يلتقيان تماما في الأفق القرآني. العلم عبارة عن سعي لفهم العالم والبحث في الآفاق الكونية، والدين هو رحلة في داخل النفس البشرية، وهناك الكثير من الآيات التي تدلل على هذا المعنى. إن على المسلمين اليوم العودة إلى نفس الروح العقلية والنفسية التي كان يتمتع بها المسلمون الأوائل من حيث فهمهم الجاد والواعي لجوهر الدين ومن حيث تعطشهم للبحث في كل شيء من حولهم، من أجل أن يستفيدوا ويمتصوا أروع ما في الحضارات الأخرى، وتطويرها بحيث تصبح صالحة لهم, في هذا الخصوص على وجه التحديد فإن مجموعة الأبحاث حول العلم والدين التي أنا جزء من الشبكة القائمة عليها، تلعب دورا كبيرا في إنعاش هذه العقلية المؤسسة في الإسلام. * البعض صار يطرح فكرة الإسلام الفرنسي, في رأيك هل تعتقد أن الإسلام يمكن أن يكون تارة فرنسيا، وفي مكان آخر عربيا؟ ـ الإسلام ليس دينا منغلقا على نفسه، بل هو الدين الأكثر كونية على الإطلاق، لأنه جاء في نهاية القرن التاريخي كي يذكر بالمبدأ الأساسي الذي أعطي لآدم ـ عليه السلام ـ أي مبدأ الوحدة الإلهية. يكفي أن يعود المرء إلى المبادئ الأساسية في الإسلام كي يتأكد أنه صالح لكل زمان ومكان، حتى القواعد في الدين الإسلامي تشتمل على مبرراتها، أي إنها لم تأت لفرض قواعد صارمة دون مبرر يقبله العقل. الإشكال الحقيقي هو أنه مع الزمن نجد أن الثقافات الإسلامية قد تجمدت وانغلقت على نفسها تماما، لذا أصبح الناس يتصورون أن بعض ممارساتهم هي من صميم الإسلام، وهي عكس ذلك، حيث هناك خلط واضح ومؤسف ما بين القيم الإسلامية الأصيلة، وبين العادات العربية والأمازيغية والإفريقية والتركية.. إلخ. * في عودة إلى فرنسا، ما هو تعريفك للاندماج الإسلامي في فرنسا, وهل يأتي عبر المجلس التمثيلي للديانة المسلمة أم عبر أبناء الجاليات العربية والإسلامية؟ ـ الاندماج في فرنسا يتم عبر قنوات متعددة, أما المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية فإنه لا يلعب سوى دور تمثيلي رسمي أمام السلطات الفرنسية، لكنه ليس ملتحما على الإطلاق مع القاعدة الشعبية المسلمة في فرنسا، ومما يزيد الأمر سوءا أنه الآن في حالة تعطل تام, كما أن أحدا لا يعترف بدليل أبو بكر كممثل للجاليات الإسلامية, ولذلك يبدو أنه يجب الانتظار حتى انتهاء فترة رئاسة جاك شيراك الذي فرض في عهده بعض الشخصيات بعينها على المجلس، ربما يمكننا أن نرى حالة المسلمين تتطور نحو الأفضل، أي بعد الانتخابات الرئاسية القادمة, لكن الاندماج يتم فعليا في أماكن العمل والدراسة،و الزواج المختلط وعن طريق المبادرات التي تقوم بها الجمعيات والمؤسسات الأهلية، ومن خلال الحوار بين الأديان، وأيضا عبر الثقافات الإسلامية التي أخذت مكانها بنفسها داخل البنية المجتمعية الفرنسية, حتى الإعلام الذي يتحدث في غالبيته بشكل سلبي عن الإسلام، فإنه قد دفع الكثيرين، بشكل غير مباشر، إلى القراءة حول الإسلام في محاولة لفهمه والحكم عليه, كثيرون من المسلمين الآن يمسكون بزمام المبادرات ليس فقط داخل إطار تجمعاتهم، بل أيضا داخل إطار المجتمع الفرنسي بأكمله، وفي رأيي، هذه هي الطريقة المثلى لتصحيح صورة الإسلام. *يجري الحديث عن حوار الحضارات والثقافات وتقام مبادرات وتظاهرات بهذا الشأن, أتراها مجدية من وجهة نظرك، أم إنها قاصرة على المجاملات؟ ـ بعض التظاهرات واللقاءات الخاصة بالحوار بين الأديان والثقافات تتمتع بقدر كبير من عدم المصداقية، بل إن البعض منها يتدخل سلبا فيما يخص تطور الأمور واندماج الإسلام, ولكن في الوقت نفسه لا يمكننا أن ننكر أن هذه التظاهرات موجودة وأن المسلمين يشاركون فيها, أيضا علينا ألا نتجاهل أن المجتمع الفرنسي، على سبيل المثال، يطالب بالكثير خاصة من المسؤولين عن الجاليات المسلمة، بل وفي أوطانهم أيضا، فمثلا تكثر المطالبات من هذه الرموز بشجب أعمال العنف والإرهاب التي تتم هنا أو هناك، ومعظمهم يفعل ذلك بالفعل، ثم لا نجد أصواتهم الشاجبة هذه تصل إلى العامة عبر وسائل الإعلام الغربية المختلفة. * الآن وبعد سنوات طويلة من إعلان إسلامك, كيف يمكنك تقييم تجربتك ؟ ـ للإسلام مكان كبير جدا في حياتي سواء على الصعيد الروحي أو المهني, لقد منحني الإسلام نهجا عقلانيا، وصبرا، ووعيا حقيقيا بما في أعماقي، وبالحقائق الموجودة في العالم الخارجي, الإسلام هو نظام أخلاقي شامل، وكل واحد منا يمكنه أن يحيا على هداه بقدر استطاعته، وبحسب تطوره الروحاني, أنا أحاول أن أعيش إيماني بالطريقة الأكثر قربا من الفطرة، ولا أتعامل معه على أنه أغلال, فالإسلام هو دين الفطرة ويكفي أنه لا توجد فيه خطيئة سابقة على الوجود الإنساني كي يكفر عنها الشخص، ولكن كل منا يمكنه البحث من خلال إيمانه عن إمكانية إعادة اكتشاف كيف يمكن للمرء أن يحيا كخليفة لله على الأرض.

النظري«، والعلم الوهبي. حيث يتخذ ابن خلدون على سبيل المثال، هذين النمطين من فهم العالم معيارا أساسيا في مقاربته للصوفية. فالمتصوفة - كما يقول - هم ورثة الخضر؛ والدخول إلى علوم التصوف (العلم اللدني والعلم الوهبي) يمر عبر كشف المعاني وعبر الإلهام. ولا يفعل إبن خلدون هنا أكثر من تقديم النظرية العامة للتصوّف، لكن وجبت الإشارة إلى أنه يأتي بعنصر مميز تبناه فيما بعد العديد من المؤلفين ممن جاءوا بعده. ذلك أنه أقرّ بالكشف الذي حصل عليه المتصوفة الأوائل، وهي منّة ظرفية ناتجة عن عقيدة صافية (استقامة)، ولكنه اعتبر المجهود المنهجي لمدرسة »وحدة الوجود« لابن عربي غير شرعي، ذلك المجهود الرامي لـ»كشف الحجاب« من أجل الوصول إلى الحقائق الإلهية. وبوضعه الكشف الكامل الصفاء والتلقائية في مقابل »مجاهدات الكشف أو المكاشفة«، فإن مؤلف »شفاء السائل« يوظف النظرية السهلة حول استقامة المتصوفة القدامى في مقابل شرود »المحدثين«، كابن عربي ونظرائه.
- وكيف يتم تحقق هذا الوعي إذا ما توقف دور العقل؟
- إيريك يونس جيوفروا: إن الطرائق المختلفة المتجاوزة للعقل لدى المتصوفة- كشف، إلهام، يقين - ظلت نظرية بالنسبة لنا إلى الآن. دعونا نتحدث الآن باختصار عن وجهين من وجوه التصوف الإسلامي، كان مبحث »تجاوز العقل« في سياقهما مفتاحاً للوعي اللدني: الأول هو الشيخ الأميّ، والذي يشتق اسمه من كلمة »الأم«، وهو يُنْسَب إلى ما يُولد عليه أي على ما وَلَدَته أُمُّهُ عليه. وحالة الطفولة التي تميّزه تأتي بذاتها من بقائه على الفطرة، بمعنى »ما فَطَرَ الله عليه الخلقَ من المعرفة به« كما يقول ابن منظور في »لسان العرب«. فحالة الطفولة هذه تتيح للأميّ علما لا يصل إليه المتعلمون، أو على الأقل هؤلاء الذين لا يستطيعون فكاكا من علمهم المكتسب. ويتجسد النموذج الأمثل لذلك في النبي الأمي: »المُتقبّل البكر للوحي« الذي، وإن لم يكن قد أخذ الكتابة بحسب »الاصطلاح والتعلم من الناس«، فقد تعلّمها بفضلٍ من »الفتح الرباني« الذي وهب له. ونحن هنا نعيد استعمال مصطلحات الوليّ المغربي الكبير »عبدالعزيز الدباغ«، كما رواها عنه مريده أحمد بن مبارك في كتابه الشهير »الإبريز«. فـ»المتمتّع بعلم فطري« قد لا يجيد بالفعل القراءة والكتابة، ولكنه قبل كل شيء صاحب »قلب لم يدنسه النظر الفكري« وهو لذلك مهيأ لتلقي الكشف الروحي الذي نتحدث عنه. وإذا كان الشيخ الأمّي يجهل أحيانا المواضعات البشرية في مادة الكتابة، فلأنه يعبّ مباشرة من مصدر الكتابة: اللوح المحفوظ الذي كتب فيه الله منذ الأزل مصير خلقه جميعا، والذي يدعى لهذه الغاية »أم الكتاب«. فالبسطامي يؤكد أنه هو هذا اللوح، كما أن علي الخواص، بما هو نموذج للشيخ الأميّ في مصر عصر المماليك، يستمد إلهاماته من نفس هذا اللوح. وأن يكون الزاهد الأمي جاهلا تماما، أو أن يكتب تحت وقع الإلهام، فإن بريق تعبيره نادرا ما ينصهر ضمن القواعد الاعتيادية للغة البشرية. فلغته المكتوبة والمنطوقة غالبا ما تكون مبهمة عند أهل الدنيا، سواء في محتواها أو في صياغتها. ويظهر علماء الظاهر دهشتهم أمام هذه الظواهر، ولكن تبرّمهم الواضح لا يخفي الانبهار الذي يتركه هؤلاء الأميين عليهم. والثاني هو المجذوب، الذي يمثل نموذجا آخر، ذا أهمية قصوى، من نماذج ما فوق العقلانية لدى الصوفية. فالمجذوب يشترك مع الأمّي في العديد من الصفات، كحالة الطفولة، والولوج إلى عالم اللغة الأم، والنزوع الطبيعي الكبير إلى الكشف. وهو يُدْعَى أيضا »مجنون الله« لأن الله سلب منه عقله وجذبه، بغلظة في أغلب الأحيان. ومن هنا جاء الغموض الذي يسيطر في الثقافة الإسلامية على التفريق بين »المجنون« و»مجنون الله« (المجذوب). ولذلك السبب اشتمل عنوان كتاب »عقلاء المجانين« لأبي القاسم النيسابوري، على تناقض مثير للانتباه. وبالفعل فإن هذا الكتاب يدفعنا إلى الغوص في محيط الجنون، ولكن المجانين المعنيين هنا يتمتّعون بتجربة خصوصية للعقل، الذي ندعوه حسب العادة الإدراك أو المنطق السليم. ولكن أليس من الأفضل استعمال مصطلح »الروح« هنا، ذلك لأن الكثير من الروحانيين الكبار مذكورون ضمن كتاب النيسابوري. وفي حين يُقَدَمُ أويس القرني، على أنه أول »مجانين الله« في الإسلام، فإن الشِّبلي يرد في هذا الكتاب مادحًا جنونه لتلاميذه »ذوي العقل السليم« (الأصحّاء). كما نرى أيضا في نفس الكتاب أبا يزيد البسطامي معترفا بدرجات الجنون الثلاث التي كان عليه اجتيازها، والتي تتطابق في الحقيقة مع المراحل النهائية الخاصة بطريق التتلمذ. وما يميّز المجذوب هو لامبالاته بالتقاليد والأعراف الدينية والاجتماعية. وقد أكدت جميع كتب التراجم أن هذه الشخصية تمتلك غرابة تبدو جليّة في المظهر الجسدي. فالجذب ينتج قطيعة مع حالة الوعي العادي، وبالتالي مع الأعراف الثقافية. كثيرا ما يتعرى الشخص المعني كليا، أو جزئيا بتغطية عورته. إن هذا العري يعبر عن الفطرة، تلك البراءة الفردوسية التي ذكرناها سابقا في خصوص الأمي. وبصفة عامة، فإن المجذوب لا يعير أي انتباه إلى ملابسه، ويرتدي نفس اللباس صيف شتاء، حتى تبلى! وخلافا لأنماط أخرى من المتصوّفة، فإن المجذوب في كثير من الأحيان ينتهك القانون متمتعا ببعض حصانة. فقد اعتبره العلماء فعلا غير مكلف شرعياً -على غرار الأطفال أو المجانين -، بل ويعمدون هم أنفسهم إلى زيارته، والأخذ عن فمه ببعض الحكم. إن التأمل في العالم المستور الذي ينغمس فيه المجذوب يجعل من هذا الأخير »مبصرا« كما يعبر الشاعر الفرنسي الكبير »ريمبو«. لذلك، فإن أحد »مجانين الله« الذين قابله »ابن عربي« اتهم حشدا كان يستمع إليه بالعمى، لأن الحشد كان متأكدا أن ما يمسك بسقف الجامع الذي يجلسون فيه مجموعة الأعمدة، بينما يرى هو مكان هذه الأعمدة رجالا يتضرعون إلى الله. إن عالم الغيب، لكونه غير مرئي لعموم أهل الفناء، هو أيضا المجهول، الغائب عن المعرفة بحسب المعنى الحرفي، الغائب عن وعي الناس.
- وكيف تقابل قوانين الشريعة العقلانية هذا الخيار الممكن لتجاوز العقل؟
- إيريك يونس جيوفروا: إن قبول المتصوفة بتأويل حّي للشريعة ولّد خشية الفقهاء وخوفهم من حصول بعض التجاوزات. ويصبح تهديد هذا الخطر أكبر عندهم متى ادعى هؤلاء المتصوفة ممارسة الاجتهاد، اعتمادا على الكشف لا على الاستدلال، والذي يجعلونه في مرتبة اليقين الذي توفّره البصيرة، متجاوزا بذلك ظنون الفقهاء. واستخدام مصطلح الظن ذو أهمية كبيرة، خاصة إذا ما عدنا به للاستعمال الافتراضي والسلبي كما هو وارد في القرآن: فاستنتاجات الفقهاء غير اليقينية تحتاج إذا لأنْ نقيسها بمقياس الكشف، المعيار الأسمى في تأويل الشريعة. ويشير السيوطي إلى أن »أهل الرسوم« عاجزون عن تقدير الكشف، لأن مضانّهم مختلفة تماما عن مثيلتها لدى المتصوفة؛ إنهم فقراء إزاء كل ما خرج عن علمهم المكتسب. نفهم إذا موقف عديد الفقهاء والمتكلمين من أهل الظاهر الذين رأوا في تلك الممارسة العقلية للاجتهاد - مفهوماً ارتبط عادة بمجال العقل فحسب- بدعة محضة. ولكن يجب أن نعرف أنه لا توجد في الإسلام سلطة عليا، تعرّف العقيدة وتحدد تفسيرها بطريقة نهائية. ولهذا السبب تتعايش عديد الفرق في إطار الإسلام. صحيح إن التعصب الديني سيطر في أحيان كثيرة على العلاقات بين هذه الفرق، ولكن نلاحظ أن أولئك الذين كانوا يرفعون شعار التكفير بسهولة، لم يكونوا من كبار العلماء. بل هؤلاء قد حرصوا على إدراج مختلف المدارس الكلامية ضمن النطاق الإسلامي لا استبعادها منه. كما أنهم كانوا ينبهون ضد مخاطر عقلية »محاكم« التفتيش، التي انتشرت أحيانا، في العصر الإسلامي الوسيط. كانت المدرسة الشافعية، بخصوص هذه النقطة، مثالا يحتذى به. وكان الغزالي، بصفته أحد ممثلي هذه المدرسة الأكثر شهرة، فقد كان يؤكد: ’’أمْسِكْ لسانك عن أهل القبلة’’ أي أولئك الذين يؤدون فريضة الصلاة في الإسلام.
- السؤال الأخير يخص المفهوم الإسلامي للعالم والطبيعة. وهل يمكن التفكير على الوجود بمنطق عقلاني علمي وروحاني في نفس الوقت؟
- إيريك يونس جيوفروا: بالنسبة للميتافيزيقا الإسلامية، لا وجود مطلق إلا لله؛ فالمخلوقات لا تتمتع إلا بوجود مؤقت، مستمد من وجود الله. وخلف الطبيعة المتغيّرة للعالم تكمن حقيقة دائمة مفارقة لها؛ لذلك يسمي المسلمون الله بالحق، الحق المتفرّد. والفن الإسلامي، بإعادة رسمه إلى ما لانهاية له من الأشكال الهاربة، يطرح وحدة أصولها جميعا. لقد أدرك علماء الإسلام من السلف بدورهم، ومنذ الوهلة الأولى، هذه الوحدة المعقدة للكون. ولاحظوا في مجالات تطبيق متعددة التبعية المتبادلة بين كل ما هو موجود. وقد أحالهم تفكيرهم في الآيات الإلهية المتعددة الحاضرة في الخلق، إلى التأمل في المتفرد(الواحد). وبعيدا عن المعرفة الحديثة التي جزّأت الوعي كما جزّأت ميادين البحث، فقد كان هؤلاء العلم

Retour en haut

Accueil | Contact | Plan du site | © 2009-2012www.eric-geoffroy.net | المجال الخاص | inéolab